محمد بن جعفر الكتاني
273
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
[ 1192 - سيدي محمد مجبر بن مخلوف الرياحي ] [ 1193 - سيدي مخلوف ] منهم : الشيخ الصالح ، الولي الواضح ؛ أبو عبد اللّه ؛ سيدي محمد مجبر ؛ دفين قرب باب السبع من فاس الجديد ، يسار الداخل . كان - رحمه اللّه - في أول أمره ديارا عند بعض الملوك [ 220 ] ، أي : لا يفارق دير سرج دابته محاذيا له ، يسير بسيره ، ويمشي بالبازي بين يديه إذا أراد الصيد . فذهب معه يوما للصيد خارج البلد ، وكانت امرأة الملك قد اشتهت عليه رأس ذيب ، وكانت حاملا ، فاصطادوا ذيبا ، وبعث الملك برأسه مع سيدي مجبر ، وأعلمه بأن أهل داره منتظرون له . فذهب به مسرعا ، فلقيته امرأة ؛ فقالت له : « إني شريفة - من أهل البيت - وإني حامل ، وقد اشتهيت هذا الرأس الذي في يدك ؛ فعاملني لوجه النبي صلّى اللّه عليه وسلم » . ه . فمكنها منه وانصرف . ثم لما أتى الملك بعد ؛ سأله أهل داره عن الرأس ، فقال لهم : « قد بعثت به مع مجبر » ، فقالوا : « ما أتانا هو ولا غيره بشيء ! » . فغضب وبعث إليه ، فأتي به ، فسأله ، فأخبره بأنه : أعطاه امرأة شريفة اشتهته ، وسألته بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم . فأمر بقطع يده ثم بسجنه . ففعل به ذلك ! . فلما كان الليل ؛ غلبته عيناه ، فنام . فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فذكر له قضيته ، وشكا له حاله ، فأخذ - عليه السلام - كفه التي قطعت ووضعها على محل القطع من ذراعه وألصقها به ؛ فلصقت وصارت كما كانت قبل ؛ كأن لم يكن فيها قطع ولا جرح ، ثم استيقظ ، فوجد يده كذلك مثل اليد الأخرى ، ورأى ما بهر عقله ! . وعظمت إذ ذاك عليه منة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وتاب إلى اللّه تعالى مما كان عليه من خلطة الملك وأبناء الدنيا . ثم أنهي خبره إلى الملك ، فأمر بإحضاره ، فجيء به ، فرآه مثل ما وصف له ويده صحيحة لا بأس بها ، فسأله عن شأنه ؟ ، فأخبره بقصته ، فخجل وجعل يعتذر له ، ويطلب منه الصفح ، وأن يعود إلى ما كان عليه أولا معه من خدمته إياه . فقال له : « هيهات ؛ لا يكون ذلك أبدا ؛ إني خدمتك مدة طويلة من السنين ، أتبع فيها رضاك ، وما خالفتك في شيء تحبه ، إلا في هذه المرة خالفتك في رأس ذيب ، فجازيتني عليها بأعظم عقوبة . والنبي صلّى اللّه عليه وسلم ما خدمته قط ، وخالفت أمره سنين عديدة في كل ما أمرني به ، وما فعلت في جانبه خيرا إلا في هذه المرة ؛ فجازاني على ذلك أعظم الجزاء ، ورد يدي كما كانت . فلا أخدم إلا هو ، ولا أخدمك أبدا ! » . ثم إنه انقطع إلى اللّه تبارك وتعالى ، حتى كان من أمره ما كان .